بين صفحات هذه الرّواية تسكن قصّة عائلة السّيد (عيسى) كبروا وهم على يقين بأنّ أحلامهم تكبر معهم وهم يكبرون معها، ويبقى الفزّاعة (زيدان) هو الوحيد الصّغير الّذي لا يكبر أبداً، يحفظ لهم أناشيدهم و أعياد ميلادهم وقصصهم الإنسانيّة، يسمعونها حين تحملها لهم رياح السّنين في لحظات مغيب الشمس...
هي قصّة فيها الأحاسيس مشتعلة، فيها حكايات العشق تتجوّل على ضفاف نهر الحبّ، كانت خطواتنا تسير فوق بساط قد نثرت عليه زهور المشاعر، والضّحكات تعلو محلّقة في أرجاء المكان السّاحر، كنّا نجتمع في كلّ يوم قبل مغيب الشّمس، وكنّا نتسامر حتّى آواخر اللّيل.
هنا في الجزء الأوّل (برقُ المُزونْ) ينتشر إحساس جميل بين صفحاته، يصل إلى مزيج من أفراحٍ ذي صبغة نجاح شخصي، و بعض الفشل في اختيار الطرق المؤدّية إلى تقليل الخسائر المعنوية و المادية قدر المستطاع. وهذا شكّل صراعات مستمرة، و الْفاصل هو باعتماد الْإصرار و التّوكل على الله في تبيين الصَّواب من الْخطأ.
في الجزء الثّاني (برقُ المزون) الأفكار تتوارد تباعاً فتطفو على سطح الأحاديث مع أشخاص من مختلف شرائح المجتمع، من دون النّظر إلى ميولهم العقائدية، أو حتّى درجاتهم الاجتماعيّة، ما كام يشغلني مثيراً هو محاولاتي الحثيثة في الوصول إلى التّقارب المثالي في وجهات النّظر لأقرب نقطة التقاء لا أكثر و لا أقل..
هو ذلك الأمل المترامي الأطراف بلقاء القلوب المحبّة والّتي تسكن طواعيّة في مدن أحلامنا الوردية تتجوّل بحرّيّة الفرسان تتحرّك في الحياة الاجتماعيّة، وفي صمت تنوح الأفئدة على الماضي تشتاق إليه كثيرا عبر أطياف الذّكريات، بينما يحاول جاهدا (سند) أن يتكيّف في مسيرته الشّخصيّة والعامة في دروب الحاضر حيث يتوجّه إلى مدن المستقبل، وقد يكون هدفه تحقيق أمنياته بأقلّ التّكاليف، يقرّر ليتغترب في رحلة دراسيّة إلى (فرنسا)، فهل يستطيع (سند) أن يقاوم ظروف غربته القادمة، ومن ثمّ يحقّق الإجابة الصّحيحة على حقيقة حياته بعد أن يعود إلى وطنه الغالي وكما أراد هو وخطّط قبيل سفره مضحّيا بكلّ شيء حتّى أسرته تتجرّع معه الفراق فتصحبه أطيافهم في غربته...
هي المشاعر تتسارع في الأفئدة تطوي الأيّام فيها الصّمت القاهر، وتسير الأقدار بحياة (سند) حيثما شاءت هي وليس له أي قرار عبره يعاند حظّه لتستقرّ نفسيّته مع محنة الغربة والفراق عن وطنه وأهله وأصدقائه، في النّهار تعجّ الحياة بالضّحكات ليتسلّى بها ينسى، وفي المساء يقبع (سند) في غرفة انفرادية بمثابة زنزانة غربته يحاول بشتّى الطّرق أن يبني له حكاية فريدة الأحاسيس، أو لربّما يخلق أسطورة فيها الأنا جارية تبكي سيّدها، والأماكن (الفرنسيّة) تحفظ ذكرياته فقد يعود ثانية إليها ليقرأها بالعناء وهي تشكو فراقه عنها...
وتبقي بعض المناظر الإنسانيّة من وطنه مختزنة في ذكريات (سند) والهشّة بتقادم الزّمن في غربته الفرنسيّة، الحيرة بالنّسبة له هي من الجائز أن تختفي ولا تعود مطلقا، بينما - وفي الواقع - هي مجرّد أقمار مضيئة من الماضي تنير له الحياة الاجتماعيّة الباريسيّة نهارها وليلها في مناظر الحاضر حيث تتجلّى المعاناة مع غربته، بل دون حذر فطري المنشأ بكل بساطة تتجلّى تلك الأطياف فجأة في لحظات حاسمة نراقب طموحاته المصحوبة مع تلك الصّور الجميلة بأوقاتها الحلوة والمريرة...
ومن يدري قد يكون السّبب في ضياع الأسرة هو (الأب) نفسه من حيث لا يحتسب!، وهل كلمات مثل الحريّة والتّحرر الاجتماعي؟؛ هي من تشرح لنا موقع هذا أو ذلك (الأب) في عصر يتّسم بالحريّة الفكريّة والحريّة الشّخصيّة المطلقة، أم أنّ (عبدالله) قد اتّخذ قراره بالتّمردّ على حياته الشّخصيّة وعصف بعنوة بالعادات والتّقاليد؛ بعد أنّ تجرّع كأس التّحرّر من أيادي أفراد أسرته قبل الغرباء!.
قصّة (كنتُ أَباً) في جزئها الثّاني، تحتضن بين صفحاتِهِا قصّة اجتماعيّة إنسانيّة تدور أحداثها في المدينة السّاحلية الشّرقية، أبطالها أسرة بسيطة يترأسها الأب الّذي كان يُمارس حياته اليومية الاعتياديّة بصورة روتينيّة كبقيّة الآباء، وبين ليلة وضحاها انقلبت حياته إلى كابوسٍ أطاح بكل قيمه ومعانيه.